إسلام آباد – عاد النقاش حول مكانة البشتون في باكستان إلى الواجهة السياسية، في ظل اختلاف واضح بين روايات تصفهم بأنهم يعانون التهميش والهيمنة، وأخرى ترفض توصيفهم كجماعة واقعة تحت الاحتلال أو الحكم الاستعماري، وتؤكد مشاركتهم في المؤسسات الدستورية والسياسية والأمنية للدولة
ويستند الطرح الرافض لوصف باكستان بأنها دولة استعمارية إلى طبيعة النظام الدستوري القائم، إذ ينص الدستور على نظام اتحادي وتوزيع للسلطات بين الحكومة الاتحادية والأقاليم، بينما تتمتع خيبر بختونخوا بمؤسسات تشريعية وحكومية منتخبة
وتُظهر البيانات الرسمية للبرلمان الباكستاني وجود ممثلين عن دوائر خيبر بختونخوا في الجمعية الوطنية، في حين تواصل الجمعية الإقليمية في بيشاور عقد جلساتها وممارسة اختصاصاتها التشريعية والرقابية
المشاركة السياسية والمؤسسات الدستورية
تتمثل إحدى النقاط الرئيسية في هذا الجدل في المشاركة السياسية للبشتون داخل مؤسسات الدولة، إذ يتولى سياسيون من الإقليم مناصب في الحكومات المحلية والبرلمان الاتحادي والمؤسسات العامة
كما أن خيبر بختونخوا لديها جمعية إقليمية منتخبة تمارس دورها التشريعي، وهو ما تستخدمه الأطراف الرافضة لوصف الإقليم بأنه واقع تحت احتلال قومي للتأكيد على وجود مسار سياسي ودستوري للمشاركة في إدارة شؤون المنطقة
وفي المقابل، لا تلغي المشاركة السياسية بالضرورة وجود شكاوى تتعلق بالتهميش أو التنمية أو الأمن، وهي قضايا ظلت حاضرة في النقاش العام داخل الإقليم خلال السنوات الماضية
الأمن ومكافحة الجماعات المسلحة
يشكل الملف الأمني محوراً أساسياً في الخلاف حول تفسير العمليات العسكرية والأمنية في المناطق البشتونية
وتطرح الرواية المؤيدة للعمليات الأمنية هذه الإجراءات باعتبارها جزءاً من جهود الدولة لمواجهة الجماعات المسلحة وحماية السكان، فيما ترى أصوات سياسية وحقوقية أن بعض العمليات والإجراءات الأمنية تحتاج إلى مزيد من الرقابة القانونية والمساءلة
ويعكس استمرار نشاط الجماعات المسلحة في خيبر بختونخوا تعقيد المشهد الأمني، إذ تواجه الشرطة وقوات الأمن هجمات متكررة في مناطق مختلفة من الإقليم، ما يفرض ضغوطاً كبيرة على المؤسسات الأمنية والمدنية
ملف المفقودين يظل موضع خلاف
يُعد ملف الأشخاص المفقودين من أكثر القضايا حساسية في النقاش المتعلق بالأمن وحقوق الإنسان في المناطق البشتونية
وتعتبر السلطات أن بعض الحالات ترتبط بملفات أمنية ومكافحة جماعات مسلحة، بينما تطالب عائلات ومنظمات حقوقية بالكشف عن مصير المفقودين وضمان الإجراءات القانونية وحق الوصول إلى العدالة
لذلك، فإن توصيف جميع حالات الاختفاء باعتبارها نتيجة مباشرة لنشاط الجماعات المسلحة، أو اعتبارها جميعاً دليلاً على اضطهاد قومي، يختزل ملفاً معقداً يحتاج إلى فحص كل حالة بصورة مستقلة
الجامعات والاحتجاجات السياسية
من جهة أخرى، أصبحت الجامعات في خيبر بختونخوا، ومنها جامعة بيشاور، جزءاً من النقاش حول حدود النشاط السياسي والاحتجاج داخل المؤسسات التعليمية
ويقر الإطار الدستوري بحق المواطنين في التعبير والتجمع السلمي ضمن الحدود التي يحددها القانون، بينما تضع الجامعات بدورها قواعد لتنظيم الأنشطة داخل الحرم الجامعي
لذلك، يظل التحدي في تحقيق توازن بين حماية الحق في الاحتجاج والتعبير، وضمان عدم تحول المؤسسات التعليمية إلى ساحات للعنف أو النشاط غير القانوني
بين الهوية القومية والمواطنة
يركز الخطاب المؤيد لفكرة الاندماج الوطني على أن الهوية البشتونية لا تتعارض مع المواطنة الباكستانية، وأن أبناء الإقليم شاركوا على مدى عقود في الجيش والشرطة والقضاء والإدارة والسياسة
كما أن وجود عدد كبير من البشتون في مؤسسات الدولة يمثل، وفق هذا الطرح، دليلاً على أن العلاقة بين الهوية القومية والمواطنة ليست بالضرورة علاقة صراع
في المقابل، يرى منتقدون أن المشاركة في مؤسسات الدولة لا تكفي وحدها لنفي شكاوى تتعلق بالحقوق السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية، وأن معالجة هذه القضايا تحتاج إلى مؤسسات مستقلة وآليات فعالة للمساءلة
وتبقى القضية في جوهرها مرتبطة بكيفية إدارة التنوع القومي داخل الدولة، ومدى قدرة المؤسسات على ضمان المساواة في الحقوق والواجبات، مع احترام الحريات السياسية والقانونية
لذلك، فإن النقاش حول وضع البشتون في باكستان لا يقتصر على توصيف سياسي واحد، بل يتداخل فيه الدستور والمشاركة السياسية والأمن وحقوق الإنسان والتنمية والهوية القومية، وهي ملفات تتطلب معالجة قائمة على الأدلة والمؤسسات بدلاً من الخطابات التصادمية





