كابول – قالت منظمة مراسلون بلا حدود إن عودة حركة طالبان إلى السلطة في أفغانستان منذ أغسطس 2021 أدت إلى تدهور كبير في حرية الصحافة، محذرة من أن وسائل الإعلام أصبحت تعمل تحت رقابة وضغوط متزايدة، فيما تحولت البلاد إلى واحدة من أصعب البيئات أمام الصحفيين المستقلين
وتشير المنظمة في أحدث بياناتها إلى أن أفغانستان احتلت المرتبة 175 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026، مع استمرار تراجع المؤشرات السياسية والقانونية والأمنية المرتبطة بعمل الصحفيين
ومنذ عودة طالبان إلى الحكم، تقلص المشهد الإعلامي بشكل كبير، إذ فقدت البلاد نسبة كبيرة من وسائل الإعلام والصحفيين، بينما اضطرت نحو 80 في المائة من الصحفيات إلى التوقف عن العمل، وفق بيانات المنظمة
قيود متزايدة على العمل الصحفي
فرضت سلطات طالبان منذ الأشهر الأولى لعودتها إلى الحكم مجموعة من القواعد والقيود التي أثرت مباشرة في طبيعة العمل الإعلامي، كما تصاعدت الرقابة على المحتوى الذي ينتقد سياسات الحركة أو مسؤوليها
وأظهرت تقارير المنظمة أن الصحفيين الذين يعملون مع وسائل إعلام دولية أو مؤسسات إعلامية موجودة خارج أفغانستان يواجهون مخاطر أكبر، مع تعرض بعضهم للاعتقال والاستجواب والاتهام بالعمل ضد السلطات
كما طالت القيود وسائل الإعلام نفسها، إذ أغلقت السلطات خلال عام 2024 ما لا يقل عن 12 وسيلة إعلامية، بينها محطات تلفزيونية وإذاعية، على خلفية محتوى اعتبرته السلطات مخالفاً لتوجيهاتها
وفي المقابل، أدى الضغط المستمر إلى زيادة الرقابة الذاتية داخل المؤسسات الإعلامية، ما حد من قدرة الصحفيين على تناول القضايا السياسية والملفات الحساسة بصورة مستقلة
الصحفيات في مواجهة قيود إضافية
كانت الصحفيات من أكثر الفئات تضرراً خلال السنوات الخمس الماضية، حيث فرضت السلطات قيوداً على ظهور النساء في وسائل الإعلام وعلى طبيعة عملهن، إلى جانب إجراءات تتعلق بالملابس والتغطية الإعلامية والتنقل
وتشير منظمة مراسلون بلا حدود إلى أن ثماني صحفيات من كل عشر توقفن عن العمل منذ عودة طالبان، فيما تواجه الصحفيات اللواتي واصلن العمل قيوداً متعددة، بينها صعوبة الوصول إلى المصادر الرسمية ومنع الظهور أمام الكاميرا في بعض وسائل الإعلام العامة والفصل في أماكن العمل
ومن جهة أخرى، وثقت تقارير إعلامية وحقوقية استمرار التضييق على مشاركة النساء في البرامج الإذاعية والتلفزيونية، بما في ذلك القيود المفروضة على ظهورهن وأصواتهن في بعض المناطق
الاعتقالات والنفي يفرغان المشهد الإعلامي
لم تقتصر الضغوط على القوانين والرقابة، بل امتدت إلى الاعتقالات والاحتجاز والتهديد، إذ وثقت منظمة مراسلون بلا حدود اعتقال أو احتجاز 141 صحفياً خلال السنوات الثلاث الأولى من حكم طالبان
كما أدت المخاطر الأمنية والسياسية إلى موجة واسعة من هجرة الصحفيين إلى الخارج، حيث تشير بيانات المنظمة المنشورة في يونيو 2026 إلى أن 677 صحفياً أفغانياً غادروا البلاد بدعم من المنظمة بين عامي 2021 و2025، فيما اضطر 82 صحفياً إلى المغادرة خلال عام 2025 وحده
وتشير المنظمة إلى أن الصحفيين الأفغان الذين غادروا البلاد توزعوا على 28 دولة، بينما لا يزال بعضهم يواجه صعوبات قانونية وأمنية في دول اللجوء، في وقت تعرض فيه صحفيون آخرون للترحيل القسري إلى أفغانستان
الاعترافات القسرية تزيد المخاوف
في تطور آخر، حذرت منظمة مراسلون بلا حدود من استخدام أسلوب جديد للضغط على الصحفيين يتمثل في إجبار بعض المعتقلين على تسجيل اعترافات مصورة ونشرها عبر الإنترنت
ووثقت المنظمة في إحدى الحالات إجبار الصحفي مهدي أنصاري على تسجيل اعتراف مصور بعد اعتقاله بتهمة إنتاج ما وصفته السلطات بـ«الدعاية المناهضة لطالبان»، قبل الإفراج عنه في مارس 2026 بعد نحو 18 شهراً من الاحتجاز
وتعتبر المنظمة أن هذه الممارسات تمثل تصعيداً في الضغط على الصحفيين، خصوصاً مع استمرار احتجاز صحفيين آخرين داخل البلاد
تراجع التعددية الإعلامية
توضح المعطيات أن التغيير لم يقتصر على تقليص عدد الصحفيين أو إغلاق المؤسسات الإعلامية، بل امتد إلى طبيعة المعلومات المتاحة للجمهور
فوفق تقييم منظمة مراسلون بلا حدود، أصبح المشهد الإعلامي الأفغاني يفتقر إلى التعددية، بينما تخضع وسائل الإعلام لضغوط من جهات حكومية وأمنية متعددة، من بينها وزارة الإعلام والثقافة وأجهزة الاستخبارات وهيئات الرقابة على السلوك العام
لذلك، باتت وسائل الإعلام المستقلة داخل أفغانستان تعمل ضمن مساحة ضيقة، في حين يعتمد كثير من الأفغان الراغبين في الحصول على معلومات مستقلة على وسائل إعلام أجنبية أو مؤسسات أفغانية تعمل من خارج البلاد
وتعكس هذه التطورات حجم التحول الذي طرأ على قطاع الصحافة منذ عودة طالبان إلى السلطة، إذ لم يعد التحدي بالنسبة للصحفيين يقتصر على الوصول إلى المعلومات، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بسلامتهم الشخصية وقدرتهم على مواصلة العمل دون التعرض للاعتقال أو التهديد





