إسلام آباد: واجهت الأنشطة الدبلوماسية الأخيرة لباكستان، وخاصة دورها الوسيط بين الولايات المتحدة وإيران، ردود فعل من خبراء ودوائر دبلوماسية عقب انتقادات طالتها على وسائل التواصل الاجتماعي. وقد رفض هؤلاء الخبراء المزاعم التي تتحدث عن “سياسة خارجية فردية”، واصفين التحركات الحالية بأنها استراتيجية دولية واقعية وتقليدية.
وكان منشور جرى تداوله مؤخراً على وسائل التواصل الاجتماعي قد زعم أن السياسة الخارجية الباكستانية باتت تدور حول شخصية واحدة مع تجاهل التوازن المؤسسي. ورداً على ذلك، ذكر الخبراء أن هذه الادعاءات لا تتوافق مع الحقائق على الأرض وتمثل رؤية ضيقة للعمل الدبلوماسي.
دعوى “السياسة الخارجية الفردية”: حقيقة أم انطباع؟
وفقاً لخبراء دبلوماسيين، فإن دور الشخصيات القيادية في الدبلوماسية رفيعة المستوى كان دائماً حيوياً، لكن هذا الدور يمارس دوماً ضمن الإطار المؤسسي للدولة. وأشاروا إلى أن التاريخ العالمي شهد قادة مثل هنري كيسنجر ودينغ شياو بينغ وغيرهم ممن لعبوا أدواراً دبلوماسية محورية، إلا أن تحركاتهم تمت بالتنسيق الكامل مع مؤسسات الدولة.
وفي معرض الحديث عن دور باكستان الحالي، أوضح الخبراء أن الجهود المبذولة لخفض التصعيد بين أمريكا وإيران تتم بموافقة وإشراف من مكتب رئيس الوزراء ووزارة الخارجية، وأن نسب هذه الجهود لقرار شخصي فردي يجافي الحقيقة.
النموذج الدبلوماسي “الهجين” التقليدي لباكستان
يرى المحللون أن السياسة الخارجية لباكستان تسير منذ أمد طويل وفق “نموذج هجين” يتضمن أدواراً للقيادتين المدنية والعسكرية معاً. واستشهدوا بأمثلة سابقة مثل الروابط بين ضياء الحق وريغان، وبرويز مشرف وجورج بوش، ونواز شريف والقيادة الصينية، مؤكدين أن الأنشطة الحالية هي استمرار لهذا النهج وليست استراتيجية جديدة أو استثنائية.
العلاقة بين السياسة الداخلية والدبلوماسية
أشار الخبراء إلى أن جزءاً من الانتقادات الحالية مرتبط بالخطاب السياسي الداخلي، حيث يتم تقييم النجاحات الدبلوماسية من منظور التنافس السياسي المحلي. وبحسب قولهم، تحاول بعض الأطراف استخدام السياسة الخارجية لأغراض سياسية داخلية، مما يؤدي إلى تهميش النتائج الدبلوماسية الفعلية.
وفند الخبراء هذا التوجه، مؤكدين أن التركيز تم تحويله نحو الشؤون الداخلية مع تجاهل عوامل جوهرية مثل التقدم في المحادثات الأمريكية الإيرانية، وثقة إيران في باكستان، والاعتراف الدولي المتزايد بدور إسلام آباد.
منظور واقعي
يرى متخصصو العلاقات الدولية أن السياسة الخارجية للدول تتحدد بناءً على أهميتها الجغرافية، وقدراتها، وروابطها الاستراتيجية، وليس بناءً على الشعبية الداخلية فقط. وفي هذا السياق، ساعد الموقع الجغرافي لباكستان، وعلاقاتها مع كل من إيران وأمريكا، وسمعتها في ملف عدم الانتشار النووي، على بروزها كوسيط مؤثر.
النتائج مقابل الانطباع
أكد المحللون أن معيار نجاح السياسة الخارجية يكمن في نتائجها وليس في الانطباع السائد عنها. وأشاروا إلى نتائج ملموسة لا يمكن إغفالها، مثل تراجع احتمالات الصدام الإقليمي، وتأمين الممرات التجارية الهامة مثل مضيق هرمز، وتعزيز الثقل الدبلوماسي لباكستان عالمياً.
الإعلام والدبلوماسية الحديثة
أوضح الخبراء أن الدبلوماسية في العصر الحديث لم تعد منفصلة عن الإعلام والخطاب العام. فالتغطية الإعلامية والرسائل العامة أصبحت جزءاً أصيلاً من المفاوضات رفيعة المستوى، لذا فإن وصف ذلك بـ “الدعاية المفرطة” لا يقدم صورة مكتملة للواقع.
التناغم المؤسسي أم الانحراف؟
أفادت مصادر دبلوماسية بوجود تنسيق وثيق بين المؤسسات المدنية والعسكرية في التطورات الأخيرة، وهو أمر يُعتبر ضرورياً لضمان استمرارية السياسة في أوقات الأزمات. وأضافت المصادر أن هذا النموذج ليس جديداً على باكستان، بل هو نهج مجرب منذ سنوات.
الخلاصة
يرى الخبراء أنه من الأنسب رؤية الوضع الحالي كـ “استراتيجية دولة عملية” بدلاً من “دبلوماسية فردية”، حيث تستثمر باكستان مكانتها الجغرافية والدبلوماسية للعب دور في النزاعات الإقليمية المعقدة. لقد ظهر الدور الباكستاني تحت استراتيجية مؤسسية منظمة عملت فيها القيادتان المدنية والعسكرية معاً، مما قدم باكستان للعالم كوسيط سلمي وفعال. وختموا بالقول إن هذا السلوك هو جزء من التسلسل التاريخي للسياسة الخارجية الباكستانية، ومن الخطأ صبغ هذا التقدم بلون الخطابات السياسية المحلية.





