قبل أربع سنوات، حينما استعاد طالبان السلطة في كابول، جعلوا كلمة واحدة محور خطابهم: الاستقرار. ووفقًا للبنك الدولي، سجّل الناتج القومي الإجمالي لأفغانستان في عام 2025 نموًا بنسبة 4.3 بالمئة، وهو الرقم الذي يقدمه طالبان كدليل على شرعية حكمهم. لكن بيانات الأمم المتحدة والبنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ترسم صورة مختلفة. فالمشهد الذي برز بعد أغسطس 2021 هو في الحقيقة قصة فشل على ثلاث مستويات: شرعية الحكم، الأمن، والرفاه الإنساني الأساسي—وجميعها يتحمل عبئها المواطن الأفغاني العادي
أولًا، شرعية الحكم، لأنها الأساس الذي تتفرع منه بقية الجوانب. فريق المراقبة التابع لمجلس الأمن الدولي يؤكد بوضوح أن طالبان لا يسعون إلى كسب الدعم الشعبي أو الرضا العام. فالزعيم الأعلى هبة الله أخوند زاده يدير الحكم من قندهار بأسلوب مطلق، حيث تُتخذ القرارات بناءً على تفسيرات دينية لا على حاجات الناس. وعندما ارتفعت أصوات من داخل طالبان ضد حظر تعليم الفتيات، كان الرد ليس بالحوار، بل بالعزل أو النفي أو الاعتقال. إنه نظام جعل الرأي الشعبي غير ذي صلة
في مجال الأمن، تعقّدت الأمور أكثر. فالعلاقات بين طالبان وحركة طالبان باكستان لم تعد مجرد خلاف دبلوماسي، بل أصبحت حقيقة موثقة. ووفق تقرير الأمم المتحدة في فبراير 2026، ازدادت الهجمات على باكستان انطلاقًا من الأراضي الأفغانية، حيث ينشط نحو ستة آلاف مقاتل في مختلف الولايات، ويحصلون على مأوى ودعم لوجستي. أكثر من ستمئة هجوم تعود جذوره إلى الأراضي الأفغانية. طالبان تنفي هذه الاتهامات، لكن العبء الاقتصادي يقع على الشعب الأفغاني. فإغلاق الحدود يكلّف البلاد نحو مليون دولار يوميًا من الخسائر التجارية، لتتحول السياسة الخارجية الأيديولوجية إلى ضغط على الاقتصاد نفسه
على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، لا تحتاج شدة الفقر إلى تفسير. فبحسب مؤشر الفقر متعدد الأبعاد لعام 2025، يعيش 64.9 بالمئة من السكان في حالة فقر، أي ما يقارب 26.9 مليون شخص. وبحلول 2024، كان 75 بالمئة من السكان يعانون من انعدام الأمن في تلبية الاحتياجات الأساسية، بينما بلغت النسبة 88 بالمئة في الأسر التي ترأسها نساء. وتشير الأمم المتحدة إلى أن نحو 22.9 مليون شخص كانوا بحاجة عاجلة إلى المساعدات الإنسانية في 2025، بينهم 14.8 مليون يعانون من نقص غذائي حاد. ويؤكد البنك الدولي أن أكثر من 40 بالمئة من الإيرادات الحكومية تعتمد على المساعدات الخارجية، ما يثبت أن البلاد لم تبنِ اقتصادًا مكتفيًا ذاتيًا خلال أربع سنوات، بل رسخت نموذجًا قائمًا على الاعتماد على المعونات
أما الأثر الأعمق فكان على مكانة النساء الاقتصادية والاجتماعية. فبحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أصبحت أفغانستان أكثر دول العالم تقييدًا لحقوق النساء. ففي 2024، لم يعمل خارج المنزل سوى 7 بالمئة من النساء، مقابل 84 بالمئة من الرجال. ويُقدّر أن القيود على تعليم النساء وعملهن ستكلف الاقتصاد نحو 920 مليون دولار بين 2024 و2026. كما أن غياب النساء عن قطاعات الصحة والإغاثة أثّر على وصول النساء والأطفال إلى الخدمات الأساسية. وقد حذرت الأمم المتحدة من أن إنهاء هذه القيود شرط لا غنى عنه لتحقيق السلام والازدهار
بعد أربع سنوات، لا يستطيع خطاب طالبان عن “الاستقرار” أن يخفي حقيقة أن نصيب الفرد من الدخل قد انخفض، وأن البيئة الأمنية تولّد توترًا إقليميًا، وأن شرعية الحكم قائمة على القسر لا على الرضا الشعبي. إنه نموذج توجد فيه الدولة، لكن الشعب ليس في مركزها





