تأتي هذه التحديات بالتزامن مع تقييم متفائل لمحافظ بنك الدولة الباكستاني جميل أحمد، الذي يتوقع أن يتراوح نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال السنة المالية الحالية بين 3.5 و4.5 في المئة، مقارنة بنحو 3.7 في المئة خلال السنة المالية الماضية
ومع ذلك، تشير المعطيات إلى أن بلوغ الحد الأدنى من توقعات النمو لن يمثل تسارعاً فعلياً، بينما يبقى معدل 4.5 في المئة تعافياً محدوداً بالنسبة إلى اقتصاد يواجه زيادة سكانية سريعة وارتفاعاً في العمالة غير المستغلة واحتياجات استثمارية كبيرة
الاستقرار المالي يعتمد على إجراءات مؤقتة
جاء التحسن الأخير مدفوعاً بدرجة كبيرة بتراجع الطلب المحلي، وتشديد الإدارة المالية، وانخفاض الواردات، إلى جانب تحسن الوضع الخارجي نتيجة تمديد آجال الديون والحصول على قروض جديدة
ورغم أهمية هذه الإجراءات في دعم الاستقرار، فإنها لا تشكل بحد ذاتها استراتيجية طويلة الأمد للنمو الاقتصادي، إذ تحتاج باكستان إلى رفع الإنتاجية وزيادة الاستثمار الخاص وتوسيع قاعدة الصادرات وتنفيذ إصلاحات قادرة على تحسين بيئة الأعمال والاستثمار
كما أن الاعتماد المتزايد على تحويلات العاملين في الخارج يفرض تحديات إضافية، رغم تسجيلها مستويات قياسية تجاوزت 41 مليار دولار خلال السنة المالية 2026، مع توقعات بارتفاعها إلى نحو 44 مليار دولار خلال السنة الحالية
وتوفر التحويلات دعماً مهماً للحساب الخارجي، لكنها تظل تحويلات إلى الأسر ولا يمكن أن تحل محل زيادة القدرة التنافسية للصادرات أو جذب الاستثمار الأجنبي المباشر
الاحتياطيات والتضخم أمام اختبار الاستدامة
تشير التوقعات إلى إمكانية تجاوز احتياطيات النقد الأجنبي مستوى 21 مليار دولار، وهو تطور إيجابي، إلا أن تراكم الاحتياطيات يحتاج بالتوازي إلى تعزيز قدرة الاقتصاد على توليد العملات الأجنبية من خلال الصادرات والاستثمار
لذلك، فإن استمرار الاعتماد على الاقتراض وإعادة جدولة الديون لبناء الاحتياطيات قد يعيد الاقتصاد إلى دورة متكررة من تراكم الاحتياطيات ثم مواجهة أزمات تمويل خارجي جديدة
في المقابل، يمثل انخفاض متوسط التضخم إلى نحو 7.1 في المئة مكسباً مهماً، إلا أن الحفاظ عليه ضمن النطاق المستهدف البالغ 5 إلى 7 في المئة يتطلب معالجة أوسع من مجرد تشديد السياسة النقدية
وتظل أسعار الغذاء والطاقة والأسعار التي تحددها الحكومة معرضة لتقلبات الإمدادات وضغوط أسعار الصرف وأسعار السلع العالمية والأزمات الإقليمية، فيما لا تستطيع السياسة النقدية وحدها معالجة نقاط الضعف الهيكلية في قطاعات الزراعة والطاقة وسلاسل الإمداد
الإصلاحات الإنتاجية تحدد مستقبل النمو
تسعى باكستان كذلك إلى تحديث منظومة المدفوعات الرقمية، وهي خطوة يمكن أن ترفع كفاءة النظام المالي وتوسع الوصول إلى الخدمات المالية، إلا أن البنية الرقمية تظل أداة مساعدة وليست محركاً مستقلاً للنمو الاقتصادي
وتكمن المسألة الأساسية في قدرة باكستان على منع تحول الاستقرار الاقتصادي إلى هدف قائم بذاته، إذ شهدت البلاد في مراحل سابقة تحسناً مؤقتاً في مؤشرات الاقتصاد الكلي قبل أن تعود الاختلالات مع تسارع النمو القائم على الواردات والتوسع في الإنفاق والاقتراض الخارجي
ومن ثم، فإن الاختبار الحقيقي للاقتصاد الباكستاني يتمثل في توسيع قدرته الإنتاجية دون العودة إلى الاختلالات التي قادت إلى أزمات متكررة، بحيث يصبح الانتقال من الاستقرار إلى النمو المستدام قائماً على الإنتاج والاستثمار والصادرات بدلاً من الاقتراض وإجراءات التصحيح الطارئة





