الدبلوماسية هي لعبة الكلمات المهذبة؛ ففي عالم العلاقات الدولية تُخاض الحروب بابتسامة، وتُرسل أشد الرسائل بألين العبارات. لكن حين يتخلى وزير خارجية عن لغة الدبلوماسية وينحدر إلى مستوى الشتائم، فهذا دليل على أن الوزير وحكومته يعيشون حالة من الهزيمة النفسية وفقدان السيطرة. هذا ما ينطبق اليوم على وزير الخارجية الهندي سبرامنيم جاي شنكر، الذي غلبت عليه حالة من الإحباط وفقدان النضج السياسي
ففي الآونة الأخيرة، أحرزت باكستان نجاحات دبلوماسية أربكت حكومة حزب بهاراتيا جاناتا ورئيس الوزراء مودي ووزرائه، وأشعلت فيهم نار الكراهية والتعصب التي امتدت حتى إلى الرياضيين والفنانين والأكاديميين. جاي شنكر، الذي كان دبلوماسياً مهنياً لأربعة عقود وشغل منصب أمين عام وزارة الخارجية، فقد السيطرة على لسانه، وهو ما يُعد مؤشراً على بلوغ الانحدار أقصى درجاته
خلال اجتماع برلماني هندي انتُقدت فيه السياسة الخارجية وكُشف عن عزلة الهند الدبلوماسية، وصف جاي شنكر باكستان بأنها “دولة سمسار”، في استمرار لخطابه المتسم بالتحقير. المفارقة أن جاي شنكر نفسه شخصية مثيرة للجدل في بلاده، حيث وُجهت له اتهامات من صحفيين ومعارضين بأنه مقرّب من الولايات المتحدة، وورد اسمه في وثائق ويكيليكس باعتباره دبلوماسياً منحازاً لواشنطن، بل إن بعض التقارير تحدثت عن تقديمه معلومات حساسة للأميركيين دون تفويض رسمي
ورغم أن رئيس الوزراء السابق منموهن سينغ استبعده لصالح سجاتا سينغ، فإن علاقاته الأميركية أعادت إحياء مسيرته، ليُعيّن لاحقاً سفيراً في واشنطن، ثم وزيراً للخارجية في عهد مودي. لكن تحذيرات سابقة من دبلوماسيين هنود بأن جاي شنكر سيُفسد علاقات الهند بجيرانها تحققت بالفعل، إذ يُتهم اليوم بإشعال التوتر مع نيبال، وزاد من حدة التوتر مع باكستان عبر تصريحاته العدائية
إن السخرية تكمن في أن شخصاً وُصف في بلاده بأنه “موالي لأميركا” يجرؤ اليوم على وصف باكستان بتلك الأوصاف. العالم لم يعد ينظر إلى الشعارات بل إلى السلوك والحقائق؛ والهند نفسها تواجه اتهامات دولية تتعلق باغتيالات في كندا ومؤامرات في الولايات المتحدة. لذلك فإن لغة جاي شنكر ليست تعبيراً عن ثقة، بل عن ارتباك دبلوماسي وفقدان التوازن
تصريحات كهذه تكشف عن فشل “عقيدة مودي” وتُظهر حالة الإحباط التي تعيشها الحكومة الهندية. أما الرد الحقيقي من باكستان فيجب أن يكون عبر إبراز الموقف الجاد والمسؤول، وتقديم التضحيات والحقائق للعالم، لأن التاريخ لا يحفظ الشتائم بل يسجل المواقف والإنجازات





