دت سياسات طالبان منذ عودتها إلى السلطة إلى تضييق فرص التعليم والعمل أمام النساء والفتيات. وتوقفت دراسة الفتيات بعد الصف السادس، كما عُلّق التعليم الجامعي للنساء في ديسمبر/كانون الأول 2022.
وبحسب الأرقام الواردة في التقرير، حُرمت أكثر من 2.6 مليون فتاة أفغانية من التعليم الثانوي حتى أغسطس/آب 2026. وتُعد أفغانستان الدولة الوحيدة التي تستمر فيها قيود بهذا النطاق على التعليم الثانوي والعالي للفتيات والنساء.
ولا تقتصر آثار منع الفتيات من مواصلة الدراسة على سنوات التعليم الحالية، إذ يمكن أن تمتد إلى سوق العمل والخدمات الأساسية خلال السنوات المقبلة. فالفتاة التي تُحرم من المدرسة اليوم قد تفقد لاحقاً فرصة أن تصبح طبيبة أو معلمة أو ممرضة أو مهندسة أو متخصصة في مجالات أخرى.
نقص متوقع في الكوادر التعليمية والطبية
تشير المعطيات الواردة في التقرير إلى أنه إذا استمرت القيود الحالية، فقد تواجه أفغانستان بحلول عام 2030 نقصاً يُقدّر بنحو 20 ألف معلمة و5,400 عاملة في القطاع الصحي من النساء.
ويمثل هذا النقص تحدياً مزدوجاً. فمن جهة، يمكن أن يؤدي تراجع عدد المعلمات إلى زيادة صعوبة توفير التعليم للفتيات، ومن جهة أخرى قد يحد انخفاض عدد الطبيبات والممرضات والعاملات الصحيات من قدرة النساء على الوصول إلى الخدمات الطبية.
وتزداد أهمية ذلك في ظل تفضيل بعض الأسر الأفغانية تلقي النساء العلاج على أيدي كوادر طبية نسائية، ما يجعل استمرار النقص في هذا القطاع قضية تتجاوز سوق العمل لتصل إلى الخدمات الصحية الأساسية.
القيود على العمل تضغط على الاقتصاد
لا يتوقف تأثير السياسات الحالية عند التعليم والصحة، إذ تمتد تداعياتها إلى الاقتصاد الأفغاني. ووفق الأرقام الواردة في دراسة لعام 2026، تكلف القيود المفروضة على تعليم النساء ومشاركتهن في سوق العمل الاقتصاد الأفغاني ما لا يقل عن 84 مليون دولار سنوياً.
ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه البلاد أصلاً أزمات اقتصادية وإنسانية وارتفاعاً في مستويات الفقر والبطالة. لذلك، فإن إبعاد شريحة واسعة من السكان عن النشاط الاقتصادي قد يزيد صعوبة جهود التعافي ويحد من الاستفادة من الموارد البشرية المتاحة.
كما أن عمل المرأة لا ينعكس على دخلها فقط، بل يمكن أن يسهم في تلبية احتياجات الأسرة وتمويل تعليم الأطفال وتحسين الرعاية الصحية. وبالتالي، فإن تقييد فرص العمل قد يؤثر أيضاً في الاستقرار الاقتصادي للأسر.
التعليم المحروم منه جيل كامل
تشير البيانات الواردة إلى أن نحو 3.8 مليون فتاة تتراوح أعمارهن بين 7 و18 عاماً كن خارج المدارس في أفغانستان خلال عام 2024، من بينهن أكثر من 2.6 مليون فتاة في سن المراهقة.
وفي حال استمرار القيود، يمكن أن تتسع الفجوة التعليمية خلال السنوات المقبلة، ما يعني أن آثار السياسة الحالية قد لا تقتصر على جيل واحد، بل تمتد إلى أجيال متعاقبة من الفتيات.
كما ترتبط محدودية التعليم بمخاطر اجتماعية واقتصادية أوسع، بينها تقليص فرص العمل وارتفاع احتمالات التعرض للفقر وبعض أشكال الاستغلال، في حين يمكن لتعليم النساء أن يعزز قدرتهن على دعم صحة أطفالهن وتعليمهم ومستقبل أسرهن.
مطالب النساء تتجاوز الضغط الخارجي
لا تشير المطالب المتعلقة بتعليم الفتيات وعمل النساء إلى ضغوط دولية فقط، إذ تظهر بيانات واردة في استطلاع للأمم المتحدة أن غالبية كبيرة من المشاركين الأفغان تؤيد تعليم الفتيات.
وبحسب الأرقام المذكورة، اعتبر 92% من المشاركين التعليم الثانوي للفتيات أمراً مهماً، بينما قال 91% إن سياسات طالبان المتعلقة بتعليم الفتيات لا تمثل قيمهم.
ومن جهة أخرى، يعكس احتجاج النساء في كابل مطالبة مباشرة بالحصول على فرص التعليم والعمل والمشاركة في الحياة الاجتماعية، بعيداً عن المطالب المتعلقة بالمناصب السياسية أو المشاركة في السلطة.
لذلك، تبدو القضية مرتبطة بمستقبل أفغانستان بقدر ارتباطها بحقوق النساء. فحرمان نصف المجتمع من التعليم والعمل يحد من قدرة البلاد على إعداد الكوادر التي تحتاج إليها قطاعات التعليم والصحة والاقتصاد.
وتضع هذه المعطيات مستقبل أفغانستان أمام تحدٍ طويل الأمد، إذ إن استمرار القيود قد يؤدي إلى خسارة مزيد من الكفاءات النسائية ويعمّق الضغوط على الخدمات الأساسية والاقتصاد.





