إسلام آباد شهدت مفاوضات استمرت واحداً وعشرين ساعة بين نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس والوفد الإيراني داخل فندق سرينا. كانت هذه أول مرة منذ عام 1979 يجلس فيها ممثلو الدولتين وجهاً لوجه على طاولة واحدة. بدا وكأنه لحظة تاريخية، لكن مع غروب الشمس وطلوعها من جديد، خرج الطرفان خاليي الوفاض
هل كانت هذه المفاوضات فعلاً فاشلة؟ أم أنها جزء من لعبة السياسة العالمية حيث تُحسم القرارات خلف الكواليس لا على الطاولة؟ لفهم القصة لا بد من النظر إلى ما وراء السطح
في السادس من فبراير 2026 بدأت المحادثات بوساطة عمان، ثم تواصلت في جنيف. وزير خارجية عمان قال إن الاتفاق “في متناول اليد”، فيما أكد الوزير الإيراني عراقجي أن “اتفاقاً تاريخياً ممكن”. لكن في الثامن والعشرين من فبراير وقع ما قلب الموازين: الولايات المتحدة وإسرائيل شنّتا هجمات جوية أدت إلى اغتيال السيد خامنئي وتدمير منشآت إيرانية حيوية، فانفجر الصراع في المنطقة. خبراء لاحقاً كتبوا أن ترامب كان قد اتخذ قرار الحرب مسبقاً، وأن المفاوضات لم تكن سوى إضاعة وقت
أسباب الفشل في إسلام آباد
إيران طرحت أربعة مطالب غير قابلة للتفاوض: السيادة الكاملة على مضيق هرمز، تعويضات الحرب، إغلاق القواعد الأميركية في المنطقة، ووقف العمليات ضد حزب الله في لبنان. بينما واشنطن طالبت بوقف تخصيب اليورانيوم، تفكيك المنشآت، قطع العلاقات مع جميع الوكلاء، فتح المضيق فوراً، وتقييد برنامج الصواريخ. هذه شروط لم يكن بوسع إيران قبولها
إضافة إلى ذلك، الفريق الأميركي لم يكن مؤهلاً: ستيف ويتكاف رجل عقارات، وكوشنر صهر ترامب، بلا خبرة دبلوماسية أو نووية. أما إيران فقد أصدرت مسودة مطالبها بنسختين: بالفارسية تضمنت حق التخصيب والتعويضات، وبالإنجليزية خلت منهما، في رسالة مزدوجة للجمهور الداخلي والخارجي
“غرور القوة” عند ترامب
المحلل الغربي البروفيسور وول والدرُف رأى أن ترامب اختار طريق “غرور القوة”، أي الاعتقاد بأن المزيد من الضغط سيجبر الخصم على الاستسلام. هذا ما حدث في فيتنام والعراق وأفغانستان، حيث تحولت الانتصارات العسكرية المؤقتة إلى مستنقعات طويلة. إعلان ترامب حصار مضيق هرمز بعد فشل المفاوضات دليل على هذا النهج، رغم أنه يضر بالاقتصاد الأميركي ويرفع أسعار الوقود داخلياً
دور باكستان
وسط هذه الصورة القاتمة، كان دور باكستان لافتاً. رئيس الوزراء شهباز شريف والفيلد مارشال عاصم منير نسّقا لإحضار الوفدين إلى إسلام آباد وضمان أمنهم، حتى باستخدام طائرات باكستانية لمرافقة الوفد الإيراني. كما أداروا المشهد الإعلامي بحكمة، فالمفاوضات الكبرى لا تُعقد تحت أضواء الكاميرات بل في أجواء هادئة. باكستان لم تكن صاحبة القرار، لكنها نجحت في جمع الطرفين، وهو إنجاز دبلوماسي مهم
ما القادم؟
ترامب أعلن حصاراً بحرياً على مضيق هرمز، مانعاً مرور السفن حتى تلك التابعة للصين والهند وباكستان. إذا ردّت إيران بإغلاق باب المندب عبر الحوثيين، فإن طرق النفط العالمية ستتعطل، ما يهدد باكستان بأزمة طاقة خانقة. مع ذلك، إيران لم تغلق باب الدبلوماسية، إذ أعلنت رغبتها في الحوار مع برلين وباريس ولندن، مؤكدة أن “الدبلوماسية لا تنتهي أبداً
خاتمة
التاريخ يذكر أن أميركا والاتحاد السوفيتي تراجعا في أزمة كوبا عام 1962 عند حافة التصادم النووي. ربما يتكرر ذلك اليوم. الأمل أن تستمر وساطة باكستان، أن يبقى المضيقان مفتوحين، وأن لا يُترك الناس الأبرياء يحترقون بنار الحروب. آمين





![ضربة صاروخية لجبهة حرية أفغانستان على موقع لطالبان في بغلان، تعكس استمرار الاشتباكات وتصاعد نشاط المقاومة [صورة من وكالة فرانس برس]](https://htnarabic.com/wp-content/uploads/2026/04/images.webp)