إتمام عام كامل على التعليق الأحادي لاتفاقية سند طاس ليس مجرد نزاع دبلوماسي، بل هو بمثابة مسمار في نعش السلام والاستقرار في جنوب آسيا، وقد وضع علامة استفهام على جدوى القوانين الدولية. هذه الاتفاقية التي أُبرمت عام 1960 بضمانة البنك الدولي، وصمدت ستة عقود رغم ثلاث حروب كبرى وعدة توترات حدودية، أصبحت اليوم ضحية الفكر المتطرف والهوس بالهيمنة المائية في الهند. ويصفها الخبراء بأنها ليست مجرد تعليق تقني، بل “حرب صامتة” ضد أمن باكستان واقتصادها وحياة شعبها
التعليق الأحادي من جانب الهند يُعد انتهاكاً صارخاً لمبدأ دولي راسخ وهو “وجوب احترام المعاهدات”. فالقوانين الدولية لا تسمح بتعليق أحادي لأي اتفاق دائم إلا إذا ارتكب الطرف الآخر خرقاً جسيماً. هذا السلوك الهندي يُعد استخفافاً بمبادئ اتفاقية فيينا. وإصرار نيودلهي على التفاوض المباشر مع باكستان دون وساطة البنك الدولي أو خبراء محايدين هو محاولة متعمدة لتعطيل المادة التاسعة من الاتفاقية، بهدف فرض نتائجها الخاصة والتهرب من المساءلة الدولية
منذ عام، لم يكن قرار الهند بوقف تدفق الأنهار مجرد إجراء إداري، بل خطوة حربـية. بالنسبة لباكستان، الدولة الواقعة في المصب، فإن معلومات تصريف المياه من المناطق العليا مسألة حياة أو موت. غياب بيانات “التليمتري” أصاب نظام الإنذار المبكر بالشلل، ما يعرض البلاد لفيضانات كارثية كتلك التي وقعت عامي 2010 و2022. إخفاء البيانات ثم إطلاق المياه فجأة أو حجبها وقت زراعة المحاصيل هو شكل من “الإرهاب المائي” أشد فتكاً من أي حرب تقليدية
اقتصاد باكستان يعتمد على نهر السند وروافده، وأي تدخل هندي فيها هو اعتداء مباشر على البقاء الوطني. السدود العديدة التي بنتها الهند على نهرَي جهلم وتشناب تعمل كـ”قنابل مائية”، تمنحها القدرة على تحويل الأراضي الخصبة إلى قاحلة متى شاءت. ويحذر خبراء الزراعة من أن عدم استقرار إمدادات المياه يهدد الأمن الغذائي، ويضع مستقبل الفلاحين والاقتصاد الريفي على المحك. كما أن نقص المياه يعطل مشاريع الطاقة الكهرومائية ويوقف عجلة الصناعة، ما يضر بالناتج القومي والاستثمار
الدمار البيئي الناتج عن هذه العدوانية المائية يمثل مأساة تصمت عنها المؤسسات الدولية بشكل مريب ومؤسف. انخفاض تدفق الأنهار سمح لمياه البحر المالحة بالتوغل نحو اليابسة، ما جعل آلاف الأفدنة في السواحل غير صالحة للزراعة. كما انخفض مستوى المياه الجوفية العذبة بشكل خطير، مهدداً صحة الإنسان والحياة البرية. هذه الاستراتيجية الهندية تهدف إلى خنق باكستان اقتصادياً واستخدام المياه كأداة ضغط استراتيجي لإضعافها على الصعيدين الدفاعي والدبلوماسي
في ظل هذه الظروف الحرجة، على باكستان أن تنتقل من موقع الدفاع إلى تبني دبلوماسية هجومية. يجب طرح القضية في الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن باعتبارها قضية “حق في الحياة”، والتنسيق مع الصين ودول المنطقة لمواجهة تعسف الدول العليا. كما ينبغي تذكير البنك الدولي بمسؤولياته، وجعل بناء السدود الحديثة وتطوير أنظمة الري أولوية وطنية. فالاتفاقية كانت ضمانة للسلام، وانتهاكها يهدد بقاء باكستان ويقوض قيمة المعاهدات الدولية. وإذا لم توقف الأسرة الدولية هذا “التنمر المائي”، فإن حروب المياه ستجتاح المنطقة مستقبلاً
المطلوب الآن أن يتجاوز رد باكستان حدود التصريحات والاحتجاجات التقليدية، وأن يتحول إلى استراتيجية دبلوماسية ومؤسسية ملموسة. يجب إعداد ملف قانوني متكامل أمام المحافل الدولية، وعدم التردد في اللجوء إلى محكمة العدل الدولية أو هيئات التحكيم العالمية لكبح جماح الهند. كما أن إعادة هيكلة دور “لجنة السند” باتت ضرورة، لتحويلها إلى مؤسسة نشطة تعمل كخط دفاع استباقي، تراقب تدفق المياه وتبادل البيانات وتتصدى للتحديات التقنية عبر تدخل دبلوماسي سريع
إضافة إلى ذلك، أصبح إنشاء “خلية دبلوماسية مائية” دائمة ومنظمة مطلباً ملحاً. هذه الخلية تجمع وزارة الخارجية وخبراء المياه والمستشارين القانونيين والمؤسسات الدفاعية في منصة واحدة، لوضع سياسة استراتيجية طويلة الأمد ضد العدوانية المائية الهندية. على باكستان أن تدرك أن معركة المياه ليست تقنية فحسب، بل هي معركة وجود، والانتصار فيها يتطلب دبلوماسية استباقية، متماسكة، لا تُقهر





![ضربة صاروخية لجبهة حرية أفغانستان على موقع لطالبان في بغلان، تعكس استمرار الاشتباكات وتصاعد نشاط المقاومة [صورة من وكالة فرانس برس]](https://htnarabic.com/wp-content/uploads/2026/04/images.webp)