تنبثق مركزية الجيش الباكستاني في الوساطة بالحرب الإيرانية من القناعة بقدرته على إنجاز الاتفاقات بفعالية أكبر من الدبلوماسيين التقليديين. إن دور باكستان الأخير في التوسط لوقف إطلاق النار في الخليج بين إيران والولايات المتحدة يعد مؤشراً على إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية. فبعد أن كان يُنظر إليها لفترة طويلة كفاعل محصور في جنوب آسيا، تساهم باكستان اليوم في إعادة تعريف منطقة جيوسياسية أوسع تربط جنوب آسيا بالشرق الأوسط. بعبارة أخرى، لم تعد باكستان على هامش الشرق الأوسط، بل تفرض نفسها كلاعب مركزي في المنطقة
مفارقة السلام وتدخل قادة الحرب
إنها مفارقة تاريخية؛ ففي اللحظات التي يبدو فيها أن الدبلوماسية التقليدية قد وصلت إلى طريق مسدود، يقع عبء صنع السلام على عاتق أولئك الذين تدربوا على الحرب. واليوم في إسلام آباد، يتجلى هذا المنطق القديم مرة أخرى، حيث برز الجيش الباكستاني كوسيط غير متوقع في أخطر بؤر التوتر في أوائل القرن الحادي والعشرين
في أعقاب أسابيع من حرب إقليمية بدأت بضربات أمريكية إسرائيلية على إيران في أواخر فبراير، ساعد قائد الجيش الفيلد مارشال سيد عاصم منير في هندسة وقف هش لإطلاق النار وتسهيل المحادثات في إسلام آباد يومي 12 و13 أبريل. ومن خلال استثمار علاقتة الشخصية مع الرئيس دونالد ترامب (الذي وصفه علنًا بـ “الفيلد مارشال المفضل لديه”)، تمكن منير من جلب نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس وكبار المسؤولين الإيرانيين إلى طاولة المفاوضات، وهو أول لقاء مباشر بين مسؤولين أمريكيين وإيرانيين بهذا المستوى الرفيع منذ الثورة الإيرانية عام 1979
وعلى الرغم من أن المحادثات انتهت دون اتفاق نهائي، إلا أن سقف التوقعات بحدوث اختراق دراماتيكي ربما كان مبالغاً فيه وغير واقعي. ومع ذلك، مثلت المحادثات في حد ذاتها خطوة أولى بناءة
الدبلوماسية العسكرية: أداة غير حركية
كما كتب السكرتير السابق لوزارة الخارجية الباكستانية، إعزاز أحمد شودري: “تقليديًا، كانت الدبلوماسية تقتصر على إرسال المبعوثين… لكن الأمر لم يعد كذلك. فإلى جانب الدبلوماسية الاقتصادية والعامة، برزت الدبلوماسية العسكرية كعنصر هام في حقيبة الأدوات الدبلوماسية
تكمن هذه “القدرة غير الحركية” للقوات المسلحة في إمكانيات نادراً ما تمتلكها المؤسسات المدنية. فكبار القادة العسكريين غالباً ما يمتلكون وصولاً مباشراً لنظرائهم الأجانب وشبكات الاستخبارات، مما يتيح انخراطاً حساساً مع الخصوم بسرعة وسرية—كما اتضح في زيارة الفيلد مارشال منير الأخيرة إلى طهران. وبخلاف الدبلوماسيين، يمكن للعسكريين فرض وقف إطلاق النار أو على الأقل ضمانه بمصداقية
العلاقات الاستراتيجية والثقل الإقليمي
تعزز علاقات باكستان الاستراتيجية المتمركزة حول الدفاع هذه المصداقية. فعلى سبيل المثال، حافظت باكستان والصين على شراكة عسكرية وثيقة. وكما أقر المحلل الصيني “تشو يونغ بياو”، فإن المبادرة الباكستانية الخماسية التي وافقت عليها الصين حملت وزناً أكبر لأنها “جاءت رسمياً من قوة إقليمية ذات نفوذ
وقد تجلت هذه الاحترافية في لقاءات الفيلد مارشال منير مع نظراء عسكريين ودبلوماسيين من مصر، والأردن، وليبيا، إضافة إلى فاعلين خليجيين بارزين في الإمارات وقطر. وكان الأبرز في سبتمبر 2025، حينما وقع مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان اتفاقية دفاع مشترك، مما عزز دور باكستان كمحاور أمني إقليمي
ما وراء الحدود التقليدية
بعيداً عن الغموض الناتج عن التعتيم الرسمي، بات من الواضح أن الفيلد مارشال منير قد بسط نفوذ باكستان إلى الشرق الأوسط. ففي أكتوبر 2025، لعبت باكستان دوراً مرئياً في تنفيذ وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس في غزة، ودرست نشر قوات كجزء من قوة استقرار دولية
وعلى الرغم من تأجيل الجولة الثانية التي كانت متوقعة في 22 أبريل بسبب التوترات، إلا أن العملية لم تخرج عن مسارها. وصرح المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن التردد ليس “بسبب عدم الحسم”، بل نتيجة “الرسائل المتناقضة والسلوك غير المتسق من الجانب الأمريكي
منذ اندلاع أزمات ما بعد 7 أكتوبر 2023، استحوذت باكستان على نفوذ أكبر بكثير مما كانت عليه في تاريخها، متفوقة على الفاعلين التقليديين في دبلوماسية الشرق الأوسط. ويعود ذلك جزئياً إلى تراجع دور عُمان التقليدي كوسيط، وغضب تركيا تجاه إسرائيل، وعجز الأمم المتحدة. لكنه يعود بشكل أساسي إلى النفوذ والمهارات التي حققها الجيش الباكستاني عبر علاقاته القوية، والتي نجحت في جلب الولايات المتحدة وإيران إلى طاولة المفاوضات في إسلام آباد





