هذا المقال لا يأتي في سياق معارضة أو تأييد لطرف بعينه، بل هو نداء من أجل بقاء الإنسانية جمعاء. فمضيق هرمز، الذي ترتبط به حياة ملايين بل مئات الملايين من البشر، قد تحوّل منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير إلى نقطة اشتعال خطيرة. إن توقف تدفق النفط والغاز الطبيعي المسال والهيليوم، وما يتبع ذلك من تعطّل أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي في المستشفيات، وعرقلة إنتاج الحواسيب والسيارات والأجهزة المنزلية والرقائق الإلكترونية، فضلًا عن توقف إمدادات القمح والأرز والخضروات والأدوية، قد ألقى بظلال ثقيلة على حياة البشر. ومع ارتفاع أسعار النفط، وتفاقم التضخم، وانفلات البطالة، وتعطل الصناعة ووسائل النقل، اهتزّت اقتصادات العالم، وخاصة في جنوب آسيا، حتى باتت المخاوف من اندلاع حروب أهلية عالمية أمرًا مطروحًا
وتتضح حساسية الموقف من خلال تحرك بريطانيا، التي رغم عدم مشاركتها في الحرب، جمعت أربعين دولة على طاولة واحدة لإعادة فتح المضيق. ووفق تقرير “وول ستريت جورنال”، فإن الإمارات العربية المتحدة، بالتنسيق مع الولايات المتحدة وحلفائها، تبحث إمكانية إعادة فتح المضيق بالقوة، وقد بدأت بالفعل جهودًا دبلوماسية في مجلس الأمن لاستصدار قرار يمنح غطاءً قانونيًا لذلك
مضيق هرمز، الذي يُعرف في بعض الأوساط باسم “مضيق خالد”، هو ممر مائي استراتيجي يربط الخليج العربي ببحر عمان ثم ببحر العرب. يحدّه شمالًا إيران، وجنوبًا الإمارات وعُمان، ويجاوره إقليم مسندم. وقد أصبح خلال الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران بؤرة اهتمام عالمي. يبلغ طوله نحو 167 كيلومترًا، ويتراوح عرضه بين 97 كيلومترًا في أوسع نقاطه و33 كيلومترًا في أضيقها. وهو بمثابة جسر تجاري يربط جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط والغرب، ما يجعل إغلاقه طويل الأمد كارثة على هذه المناطق مجتمعة
لقد تحوّل إغلاق المضيق إلى أداة ابتزاز وسلاح حرب، مما ضاعف من أهميته التجارية والسياسية والعسكرية. ويُعدّ هذا الإغلاق جريمة بحق الإنسانية، إذ يعرّض حياة الملايين للخطر. صحيح أن لكل دولة حق الدفاع عن نفسها، لكن تحويل هذا الحق إلى وبال على البشرية إهانة للإنسانية جمعاء. ومن هنا، فإن على قادة العالم أن يسارعوا إلى إصدار قرار دولي ملزم، يوقع عليه الجميع، ويُمنح صفة القانون الدولي، ثم تُشكَّل قوة بحرية دولية عالية التدريب ومجهزة بأحدث الأسلحة لتأمين المضيق وضمان انسياب الملاحة فيه. يجب أن يُحظر على أي دولة، صغيرة كانت أو كبرى، أن تغلق المضيق أو تستخدمه وسيلة ابتزاز، وأن يُعتبر هذا الممر “شريان الحياة الإنسانية” الذي يتوجب على الجميع حمايته
إن إغلاق المضيق أو السيطرة عليه أو احتكاره قد يقود إلى مواجهة نووية أو حتى يشعل حربًا عالمية ثالثة. وفي المقابل، فإن المقترح الذي طُرح في اجتماع إسلام آباد يوم 30 مارس، والقاضي بإنشاء كونسورتيوم عبر تركيا ومصر والسعودية لإدارة تدفق النفط على غرار نظام قناة السويس، قد يكون خيارًا عمليًا، مع إمكانية انضمام باكستان لاحقًا
أما المخطط “الدجالي” الذي يترقبه الصهاينة، فهو أن تضطر الدول المتضررة من إغلاق المضيق إلى اللجوء بنفسها إلى الولايات المتحدة طلبًا للحماية، فينتهي بها الأمر داخل المعسكر الأمريكي، ليس بدافع العداء لإيران، بل حفاظًا على أمنها الداخلي. وكما دفعت سياسات الثورة الإيرانية المعادية دول الخليج إلى أحضان واشنطن، فإن السيناريو ذاته قد يتكرر. وفي هذه الأثناء، يفتح الأمريكيون باب النفط الفنزويلي الرخيص لأوروبا، مقابل استدعاء قواتها العسكرية
إن اجتماع المخططين العسكريين البريطانيين الأسبوع المقبل بشأن المضيق مؤشر على خطر داهم. كما أن حقيقة السعي الغربي للسيطرة على نفط فنزويلا تكشف كيف يُستخدم الابتزاز لإخضاع الدول. لذلك، على النظام الإيراني أن يعيد النظر في سياساته قبل فوات الأوان، وأن يفتح المضيق مجددًا أمام العالم، متجاوزًا شعارات “الموت لأمريكا” و”الموت لإسرائيل”. إن امتناع الناتو وأوروبا عن المشاركة في الحرب يُعدّ هزيمة واضحة للرواية الأمريكية – الإسرائيلية. فلا ينبغي أن يُمنح هذا المشروع الفاشل فرصة عبر استمرار إغلاق المضيق، بل يجب فتحه فورًا، واستخدام الضغط السياسي العالمي ضد شعارات العداء، لأن فتح الممر هو السبيل الوحيد لقطع الطريق أمام أطماع السيطرة على النفط، وإلا فلن ينال أحد شيئًا





