أثار تصريح وزير المياه والطاقة في الحكومة الأفغانية الملا عبد اللطيف منصور، الذي تحدث فيه عن مواجهة الأفغان للقوى الأجنبية، انتقادات في باكستان، بعدما اعتبر خبراء في الشؤون الدفاعية والتاريخية أن وضع باكستان في خانة القوى التي احتلت أفغانستان يتجاهل طبيعة الدور الذي لعبته إسلام آباد خلال الحرب السوفيتية
وكان منصور قد قال في تصريح حديث إن الشعب الأفغاني أسقط غرور بريطانيا والاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة في مراحل مختلفة من التاريخ، مؤكداً أنه لن يخضع لأي دولة أخرى
وأثارت هذه التصريحات جدلاً بشأن توصيف الدور الذي لعبته الدول المجاورة خلال الحرب السوفيتية في أفغانستان، خصوصاً أن باكستان كانت إحدى أبرز الدول الداعمة للمقاومة الأفغانية خلال ثمانينيات القرن الماضي
وتشير المعطيات التاريخية إلى أن المقاومة الأفغانية كانت العامل الأساسي في مواجهة القوات السوفيتية داخل أفغانستان، في حين وفرت باكستان قنوات دعم لوجستي وسياسي للمجموعات الأفغانية المناهضة للوجود السوفيتي
دور باكستان خلال الحرب السوفيتية
استضافت باكستان ملايين اللاجئين الأفغان خلال سنوات الحرب، كما أصبحت أراضيها ممراً رئيسياً للمساعدات التي كانت تصل إلى مجموعات المقاومة الأفغانية
ومن جهة أخرى، تحملت المدن والمناطق الحدودية الباكستانية أعباء أمنية واقتصادية كبيرة نتيجة الحرب، فيما امتدت تداعيات الصراع إلى الداخل الباكستاني من خلال تدفق اللاجئين وتزايد النشاط المسلح وعدم الاستقرار في المناطق الحدودية
كما لعبت المؤسسات الباكستانية دوراً في تنظيم وتسهيل وصول المساعدات إلى فصائل المقاومة الأفغانية، في وقت كانت فيه الولايات المتحدة ودول أخرى تقدم دعماً للمقاومة عبر قنوات إقليمية
وتؤكد المصادر التاريخية أن باكستان لم تكن الطرف الوحيد في دعم المقاومة، إذ شاركت الولايات المتحدة ودول عربية وغيرها في تقديم أشكال مختلفة من الدعم خلال الحرب، بينما بقيت المقاومة الأفغانية صاحبة الدور المباشر في القتال داخل البلاد
تداعيات الحرب على باكستان
لم تقتصر آثار الحرب على الجانب السياسي والعسكري، إذ أدت موجات النزوح الكبيرة إلى ضغوط واسعة على الاقتصاد والبنية التحتية والخدمات في باكستان
كما امتدت تداعيات الصراع إلى المناطق الحدودية، حيث تعرضت باكستان لاحقاً لموجات من العنف والتطرف ارتبطت بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالإرث الأمني الذي خلفته الحرب الأفغانية
وأظهرت التجربة أن تداعيات الحرب لم تتوقف عند الحدود الأفغانية، بل تركت آثاراً طويلة الأمد على أمن باكستان واستقرارها الداخلي
لذلك، يرى خبراء أن تقييم تلك المرحلة يحتاج إلى قراءة شاملة لدور جميع الأطراف، بدلاً من اختزال الحرب في رواية أحادية الجانب
جدل حول الخطاب الأفغاني تجاه باكستان
يرى منتقدو تصريحات الوزير الأفغاني أن مساواة باكستان بالاتحاد السوفيتي أو الولايات المتحدة من حيث طبيعة الدور في أفغانستان تتجاهل الفروق بين الاحتلال العسكري المباشر وبين الدعم الإقليمي للمقاومة
وفي المقابل، يظل من الصحيح تاريخياً أن العلاقة بين باكستان وبعض الفصائل الأفغانية شهدت مراحل معقدة، وأن سياسات إسلام آباد تجاه أفغانستان تغيرت وفقاً للظروف الإقليمية والأمنية
كما أن العلاقات بين البلدين في الوقت الحالي تواجه ملفات خلافية متعددة، من بينها أمن الحدود ونشاط الجماعات المسلحة وحركة اللاجئين والتجارة
ومن جهة أخرى، يرى مراقبون أن الاعتراف بالدور الذي لعبته باكستان في استضافة اللاجئين ودعم المقاومة الأفغانية لا يلغي حق الأفغان في تقييم تاريخ بلادهم من منظورهم الوطني
لذلك، فإن بناء علاقات مستقرة بين إسلام آباد وكابل يتطلب التعامل مع التاريخ بصورة أكثر توازناً، بعيداً عن الخطابات التي قد تزيد التوتر بين البلدين





