المعیشة أصبحت أكبر تحدٍ يواجهنا اليوم، والحقيقة أن هذه البيروقراطية ذات الطابع الاستعماري لا يمكن أن تسير جنباً إلى جنب مع إصلاح الاقتصاد. ليست هذه مجرد عاطفة بل قناعة واعية: إذا أردنا إصلاح الاقتصاد فلا بد أولاً من إصلاح البيروقراطية، وإن لم يكن ذلك ممكناً فالأجدى أن ننسى الاقتصاد ونواصل تحمل نزوات هذه البيروقراطية
هل يمكن لاقتصاد أن ينهض بينما 22 ألف من كبار موظفي الدولة يحملون جنسية مزدوجة؟ هؤلاء الذين نتظرون التقاعد لينتقلوا إلى “وطنهم الآخر”، كيف يمكن أن تكون قراراتهم لصالح باكستان وهم لا يطيقون العيش فيها
خيوط القرار في باكستان بيد البيروقراطية، وهو نظام هزلي قائم على إرث استعماري. شاب يجتاز امتحان الخدمة المدنية فيُعامل كـ”طرزان”، ثم يصبح “سوبرمان” يتدخل في كل قطاع بلا خبرة ولا ممارسة. عامٌ في وزارة الرياضة، وآخر في الثقافة، ثم في الصحة أو التجارة، يضع القوانين بلا معرفة حقيقية. هذا النموذج كان مناسباً للاستعمار الذي لم يهتم إلا بالأمن ونهب الموارد، أما اليوم فهو عبء خانق
بعد قيام باكستان لم نغير هذه العقلية: نفس الامتيازات، نفس القصور، نفس الكِبر والبعد عن الشعب. لا رقابة ولا محاسبة، قصورهم تضاهي قصور الرؤساء، ولهم نوادي خاصة، وكأنهم أوصياء لا خدم للشعب. والأسوأ أن آلافاً منهم يحملون جنسية أجنبية، بينما الدستور يمنع ذلك عن النواب، لكنه يغض الطرف عن البيروقراطية التي هي صانعة القرار الفعلية. فكيف نثق بولاء من يخدم بلدين في آن واحد
هناك مشكلتان أساسيتان
الامتيازات والإنفاق المفرط: تقرير معهد باكستان للتنمية الاقتصادية يؤكد أن متوسط رواتب البيروقراطيين أعلى بـ12% من موظفي الأمم المتحدة، بينما يتمتعون بسيارات فارهة وقصور شاسعة
النهج السلبي تجاه الاستثمار: رجال الأعمال يشكون من تعقيدات واعتراضات لا تنتهي، مما يطرد المستثمرين بدل جذبهم. حتى السفير السعودي السابق علي عواض العسيري كتب أن باكستان تملك إمكانات اقتصادية هائلة لكن البيروقراطية تشكل عقبة غير عادية أمام الاستثمار
الخلاصة: لا يمكن إصلاح الاقتصاد مع بقاء هذه البيروقراطية على حالها. إما أن نصلحها جذرياً أو ننسى حلم النهضة الاقتصادية





