من أبرز تلك القصص حكاية فاطمة صغرى، التي كانت في الرابعة عشرة من عمرها عندما تسلقت بوابة الأمانة العامة في لاهور وأسقطت العلم البريطاني ورفعت مكانه علمًا أخضر صنعته من شالها، في مشهد أصبح لاحقًا من الرموز المرتبطة بحركة باكستان
وجاءت مشاركة صغرى في وقت كانت فيه النساء المسلمات في لاهور يشاركن بكثافة في المسيرات والاحتجاجات ضد الحكومة الاتحادية في البنجاب، حيث واجهت المشاركات الاعتقالات والضرب بالهراوات والغاز المسيل للدموع
وتشير روايات تاريخية إلى أن صغرى شاركت مع صديقتها زرينة في الوصول إلى بوابة الأمانة، قبل أن تتسلقها وتزيل العلم البريطاني وترفع علم الرابطة الإسلامية، وسط هتافات مؤيدة لباكستان
فاطمة صغرى.. فتاة تحولت إلى رمز
لم تكن صغرى تدرك، وفق روايتها التي نقلتها عنها مصادر صحفية، أن تصرفها سيصبح رمزًا من رموز حركة الاستقلال، إذ وصفت نفسها في تلك السن بأنها متمردة ولم تكن تخطط لتحويل اللحظة إلى حدث تاريخي
وبعد الاستقلال، حصلت صغرى على تكريم تقديرًا لخدماتها خلال حركة باكستان، من بينها ميدالية ذهبية عن خدماتها للبلاد، كما حصلت على تكريمات أخرى تقديرًا لدورها في الحركة
ورحلت فاطمة صغرى في لاهور عام 2017، بعد أن بقيت قصتها واحدة من الشواهد على مشاركة الفتيات والنساء في التحركات السياسية التي سبقت قيام باكستان
جهان آرا شاهنواز.. صوت النساء في لندن
في الجانب السياسي والدبلوماسي، برز اسم بيغوم جهان آرا شاهنواز التي مثلت النساء المسلمات في ثلاثة مؤتمرات للمائدة المستديرة عقدت في لندن، كما عُرفت بإلقاء خطاب في غيلدهول بلندن، في خطوة اعتُبرت بارزة في تاريخ المشاركة السياسية للنساء في تلك المرحلة
كما شاركت شاهنواز في العمل السياسي داخل البنجاب، وانتُخبت عضوًا في المجلس التشريعي، فيما ارتبط اسمها كذلك بالتحركات التي شهدها الإقليم خلال السنوات الأخيرة من الحكم البريطاني
وفي يناير 1947، كانت من بين القيادات النسائية التي تعرضت للاعتقال خلال الاحتجاجات التي اندلعت في البنجاب بعد اعتقال عدد من قادة الرابطة الإسلامية، بينما واصلت النساء تنظيم المسيرات رغم القيود المفروضة على التظاهر
مسيرات نسائية في شوارع لاهور
لم تتوقف المشاركة النسائية عند القيادات المعروفة، إذ خرجت نساء من خلفيات اجتماعية مختلفة إلى الشوارع للمشاركة في الاحتجاجات، فيما واصلت مجموعات نسائية التحرك بعد اعتقال عدد من القيادات
وأظهرت مصادر تاريخية أن النساء تعرضن للضرب بالهراوات والغاز المسيل للدموع والاعتقال، لكن هذه الإجراءات لم توقف الحراك النسائي الذي استمر خلال الأسابيع التي سبقت استقلال باكستان
وفي إحدى الوقائع، شاركت نساء في مسيرات باتجاه الأمانة العامة في لاهور، بينما ارتبطت أسماء شابات أخريات برفع أعلام الرابطة الإسلامية فوق المباني الحكومية والسجون خلال الاحتجاجات
أسماء أخرى شاركت في الحركة
لم يقتصر النشاط النسائي على البنجاب، إذ برزت في السند شخصيات مثل نصرت عبد الله هارون، التي تولت عام 1943 رئاسة رابطة النساء المسلمات لعموم الهند، وأسهمت في تنظيم النشاط السياسي للنساء في مناطق مختلفة
وفي البنغال، برز اسم شائستة إكرام الله التي أصبحت لاحقًا من أوائل النساء اللواتي مثلن في الجمعية التأسيسية الباكستانية، بينما شاركت نساء من المناطق الشمالية الغربية في النشاط السياسي رغم القيود الاجتماعية التي كانت تجعل المشاركة العامة أكثر صعوبة
كما لعبت الطالبات دورًا في التعبئة السياسية، حيث خرجت مجموعات نسائية من المؤسسات التعليمية في عليكرة ولاهور للمشاركة في النشاط المرتبط بالرابطة الإسلامية، بينما امتد النشاط إلى مناطق أخرى من شبه القارة
دور غاب من الرواية السياسية
تكشف هذه الوقائع أن حركة باكستان لم تكن نشاطًا سياسيًا قاده الرجال وحدهم، بل شاركت فيها نساء تولين أدوارًا تنظيمية وميدانية وسياسية، من إدارة المسيرات إلى مواجهة الاعتقالات والمشاركة في العمل البرلماني
وفي المقابل، ركزت روايات كثيرة عن تلك المرحلة على القيادات السياسية والاجتماعات والمفاوضات، بينما تراجع حضور عدد من النساء اللواتي شاركن في النشاط الشعبي والميداني من الذاكرة العامة
وتظهر السجلات التاريخية أن الحركة النسائية المرتبطة بالرابطة الإسلامية امتلكت تنظيمات وشبكات سياسية خاصة بها قبل استقلال باكستان، ما ساعد النساء على الانتقال من النشاط الاجتماعي إلى المشاركة السياسية المباشرة
بين الرمز والذاكرة
تبقى قصة فاطمة صغرى واحدة من أكثر الصور تعبيرًا عن ذلك الدور، بعدما تحولت فتاة في الرابعة عشرة إلى رمز للحركة عندما أزالت العلم البريطاني من مبنى حكومي في لاهور ورفعت مكانه علم الرابطة الإسلامية
كما تمثل جهان آرا شاهنواز جانبًا آخر من المشاركة النسائية، إذ انتقلت من العمل السياسي داخل البنجاب إلى تمثيل النساء المسلمات في المحافل السياسية الدولية
لذلك، فإن استعادة أسماء هؤلاء النساء لا تعني إعادة كتابة تاريخ حركة باكستان من جديد بقدر ما تعني توسيع الرواية التاريخية لتشمل الأصوات التي شاركت في الشارع والمؤسسات والاحتجاجات، ولم تحظَ دائمًا بالحضور نفسه في الذاكرة العامة





