الحيز التاريخي في خیبر پختونخوا، ضلع چارسده، الذي كان على الدوام منبعاً للعلم والأدب والوعي السياسي، قد برز اليوم كرمزٍ للمقاومة الفكرية والشعبية التي أرهبت أعداء الوطن وزلزلت عروشهم. إن الغضب والحزن الذي يخيّم على أجواء چارسده ليس مجرد انفعال عاطفي، بل هو انعكاس لوعي اجتماعي وديني عميق أدرك الوجه القبيح لـ “فتنة الخوارج”. وقد جاءت استشهاد العالم الجليل الشيخ إدريس لتكشف آخر ستار كان يحجب هذه العصابة التي تتستر بالدين
اليوم، جدران چارسده تكتب تاريخاً جديداً. ففي الساحات العامة والميادين، تُرسم لعنات ونفور على صور زعيم الإرهاب نور ولي محسود، لتكون إعلاناً نهائياً عن رفض شعبي بلغ ذروته وتحول إلى سيلٍ جارف. هذه الجدران تصرخ بأن من يسفك دماء الأبرياء باسم الإسلام لن يجد مأوى على هذه الأرض. لقد أثبت أبناء چارسده أنهم لن يساوموا على حرمة علمائهم ومساجدهم وأمنهم
وفي هذا المنعطف الحساس، جاء موقف المرجع المعتبر الشيخ المفتي تقي عثماني ليضع خطاً فاصلاً بين الحق والباطل. فقد وصف أعمال هؤلاء بأنها وصمة عار على جبين الإنسانية، مؤكداً بعبارات قاطعة أن هؤلاء القتلة لا صلة لهم بالإسلام ولا بالإنسانية. إن هذا البيان البصير كان بمثابة المسمار الأخير في نعش أولئك الذين اتخذوا من مصطلح الجهاد المقدس ستاراً لوحشيتهم. فإذا قال فقيه جليل إن اللعب بأرواح الأبرياء هو ضلال صريح، فلا يبقى مجال لأي تأويل
وفي السياق ذاته، ألقى رئيس جمعية علماء الإسلام مولانا فضل الرحمن خطاباً في مجلس العزاء بچارسده، فكان وثيقة تاريخية حين وصف هؤلاء المفسدين بأنهم “قتلة ومرتدون”، محدداً بذلك اتجاه المعركة الفكرية. أما الفتوى المتفق عليها من آلاف العلماء في باكستان، بأن “العمل المسلح ضد الدولة حرام شرعاً وغير جائز”، فهي بمثابة حكم الموت على هؤلاء الفارين. ودماء العلماء الكبار أمثال مولانا سميع الحق، مولانا حسن جان، مولانا يوسف آفريدي، مولانا حامد الحق، والشيخ إدريس، تشهد أن فتنة الخوارج ما هي إلا عدو متخفٍ بلباس الإسلام، يستهدف تقويض الأسس العلمية والروحية للأمة
والتاريخ شاهد أن الفتنة تنهار حين يتوحد الشعب وقيادته الفكرية من علماء الحق ضدها. فاللعنات المكتوبة على صور زعيم الإرهاب في چارسده تمثل ذروة الرفض الفكري الذي مزق قناع الخوارج. وهذا الغضب الشعبي يعكس حقيقة أن البربرية باسم الدين لن تُقبل بعد اليوم تحت مسمى الجهاد أو الإصلاح. إن الانسجام بين الدولة والمجتمع الذي تحقق هو أعظم انتصار لنا في هذه المعركة الفكرية
وقد آن الأوان لتحويل هذه اليقظة الفردية إلى خطاب وطني شامل. ففتنة الخوارج لا تكمن جذورها في القوة المادية فحسب، بل في الفكر المنحرف الذي يُبث عبر الحدود بشكل منظم. ومن الضروري أن يتسع التعقب العلمي لهؤلاء “المفسدين” من المنابر والمحراب إلى جبهات الإعلام الحديث. إن شجاعة أبناء چارسده في إعلان البراءة من هؤلاء العناصر هي مشعل هداية لبقية الوطن. ولم يعد هناك مجال للمجاملة أو الصمت؛ فالمعركة تتجه نحو نهايتها المنطقية، حيث النصر سيكون للسلام والأمن والقيم الإسلامية الخالصة





