فهل فشلت المفاوضات؟ كلا، لم تفشل على الإطلاق. المفاوضات ناجحة، وباكستان خرجت منها مرفوعة الرأس
لقد شاع أن العملية التفاوضية انهارت وأن الرئيس الأمريكي غادر، وربما يستغل البعض هذا الضجيج ليطلقوا تعليقاتهم المسمومة قائلين إن الباكستانيين كانوا فرحين بهذه المفاوضات، وها هي قد فشلت. لكن الحقيقة أن المفاوضات لم تفشل، بل نجحت. لا تنخدعوا بالغبار المثار، بل انظروا إلى الأمر بروية وهدوء، فباكستان نجحت وهي اليوم واقفة شامخة كما كانت بالأمس. نجاحات باكستان عظيمة وذات مغزى عميق
كما يحدث في القرى حين يجلس خصمان من بيتين متنازعين، قد لا تذوب الجليد في اللقاء الأول، وأحيانًا تذوب، وأحيانًا تحتاج إلى وقت. وهنا جلست دولتان، فلو لم يُحسم كل شيء في اللقاء الأول، فما وجه القلق أو اليأس
انظروا إلى ما حدث عند انتهاء الحوار: أمريكا قالت إن إيران لم تقبل طرحها، لكنها أبقت عرضها قائمًا. وإيران قالت: لقد قدمنا موقفنا، والكرة الآن في الملعب الأمريكي
ما معنى ذلك؟ أولًا: أن الحوار لم ينتهِ، بل ما زال مستمرًا، والعروض متبادلة، والردود متوقعة، والطريق مفتوح. ثانيًا: أن الطرفين استمعا لبعضهما، وعرضا مواقفهما، والملف معقد، وسيعود كل طرف إلى بلده للتشاور مع القيادة ولإشراك جمهوره الداخلي. وهذا طبيعي، إذ لا يمكن لخصوم عاشوا عقودًا من العداء أن يغيروا كل شيء فجأة، فذلك قد يفجر الرأي العام الداخلي. لذلك تُدار الأمور تدريجيًا، مع إقناع الجمهور وإشراكه
كما أن الحرب تحتاج أحيانًا إلى “حفظ ماء الوجه”، كذلك المفاوضات تحتاج إلى ذلك. فالتعليق أو التأجيل أو بعض الغموض قد يكون وسيلة لتجنب الانفجار الداخلي
وأحيانًا يرى الطرفان أن ذوبان الجليد بسرعة لا يناسب كبرياءهما، فيتوقف الحوار. ثم يتدخل الأصدقاء، يطلبون التليين، فيستجيب الطرفان، ويُمنح هؤلاء الأصدقاء فرصة لحفظ كرامتهم وفخرهم الوطني
وهنا حدث الأمر نفسه: الجولة الأولى انعقدت، وجلس الطرفان وجهًا لوجه، وتحدثا مع النظام الذي كان يُطرح موضوع تغييره. العرض ما زال قائمًا، والكرة ما زالت في ملعب الآخر، واللعبة لم تنتهِ، بل الأمل ازداد.
وفي هذه الأثناء، أنجزت باكستان خطوة كبيرة، إذ نشرت قواتها في السعودية أثناء المفاوضات. إيران قدّرت هذا الإخلاص، ووجود القوات الباكستانية هناك يعني أنه حتى لو ساءت الأمور فلن يكون هناك هجوم إيراني على السعودية
وبذلك أُحبطت محاولة تحويل الأزمة إلى حرب عربية–إيرانية. لقد أفشلت باكستان هذه المؤامرة بجهد كبير
وتسلسل الأحداث يوضح أن هناك رغبة قوية في إشعال حرب بين إيران والعرب، لكن ذلك لم يحدث، ولم يكن السبب باكستان. أما الذين لم يفهموا تغريدة خواجه آصف، فعليهم أن يطوروا فهمهم لهذه القضايا





