إذا نظرنا إلى الاستراتيجية العسكرية الحالية لإيران في سياقها العام، يتضح أن هدفها لا يقتصر على تحقيق تفوق عسكري فوري، بل يسعى إلى خلق ضغط استراتيجي في المنطقة، وردع الخصوم، وكسب موقع تفاوضي أفضل. ومع ذلك يبقى السؤال: هل تحقق هذه الاستراتيجية أهدافها أم أنها تولّد مخاطر جديدة ونتائج غير مقصودة
إن محاولة إيران توسيع النزاع إلى منطقة الخليج تبدو وكأنها مسعى لزيادة الردع وكسب أوراق ضغط، لكنها عمليًا تؤدي إلى تصعيد أكبر. فدول الخليج، التي لم تكن طرفًا مباشرًا، باتت تشعر بالتهديد، مما قد يعزز التحالفات الإقليمية ضد إيران ويزيد من الاصطفاف ضدها. وهكذا فإن توسيع نطاق الحرب المحدودة قد يؤدي إلى نشوء تحالف أوسع ضد إيران بدلًا من تقوية موقعها
من الناحية الاقتصادية، هذه الاستراتيجية ليست خالية من المخاطر. فخليج فارس يوفّر نحو 20٪ من إمدادات النفط العالمية، ويعبر من مضيق هرمز يوميًا ما بين 17 إلى 20 مليون برميل نفط. إن تهديد إغلاق هذا الممر الحيوي أو الضغط عليه قد يسبب صدمة قوية للاقتصاد العالمي، ويرفع أسعار النفط إلى أكثر من 120 دولارًا للبرميل. وسيؤثر ذلك ليس فقط على الدول الغربية، بل أيضًا على اقتصادات المنطقة نفسها التي تعتمد على صادرات الطاقة
أما من الناحية القانونية والأخلاقية، فإن هذه الاستراتيجية تثير تساؤلات. فوفقًا للقوانين الدولية، ولا سيما ميثاق الأمم المتحدة، فإن استهداف دول غير منخرطة مباشرة في الحرب يتعارض مع مبادئ التناسب والدفاع عن النفس. كما أن ضرب مراكز الطاقة والموانئ والبنى التحتية المدنية لا يسبب أزمات اقتصادية فحسب، بل أيضًا أزمات إنسانية، مما يضعف الموقف الدبلوماسي لإيران عالميًا
إضافة إلى ذلك، فإن تصعيد التوتر في المنطقة قد يعزز العداوات طويلة الأمد. فالشرق الأوسط منطقة يتعايش فيها العرب والإيرانيون والأتراك وغيرهم، وإذا استمرت الأزمة في التصاعد فقد تعمّق الانقسامات الطائفية والجغرافية، وهو ما ستكون له آثار لعقود طويلة
هناك أيضًا خطر العزلة الدبلوماسية. فإذا تضرر الاقتصاد العالمي بشدة وتأثرت الدول المحايدة، فقد تجد إيران صعوبة في الحفاظ على الدعم الدولي. وهكذا فإن توسيع النزاع قد يخلق ضغطًا مؤقتًا، لكنه على المدى الطويل قد يؤدي إلى عزلة دبلوماسية لإيران
وفي النهاية، كل حرب تصل إلى مرحلة تصبح فيها التكاليف الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية أكبر من المكاسب المحتملة. وبالنسبة لإيران، يبقى السؤال المهم: هل اقتربت استراتيجيتها الحالية من هذه المرحلة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فإن الحاجة إلى تقليص النزاع، واتباع المسارات الدبلوماسية، والسعي نحو حل سياسي مقبول أصبحت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى





