صدر كتاب الملا هبت الله المسمى “عقيدة أهل السنة والجماعة” في مارس 2025م. وهو كتاب صُمم أساساً ليعبر عن معتقدات حركة طالبان ولتدريب عناصرها، حيث جُعل مطالعة هذا الكتاب فرضاً عينياً على كل طالب تنفيذي بعد طباعته. يحتوي الكتاب الصادر باللغة البشتوية في 177 صفحة على 110 عقائد صاغها الملا هبت الله في ضوء القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة. ولا تحتوي مضامين هذا الكتاب على مسائل خلافية مجردة، بل جاء بتنسيق محدد: يبدأ الملا هبت الله بذكر العقيدة في جملة أو جملتين، ثم يستدل عليها بآيات من القرآن الكريم، يتبعها بالأحاديث النبوية المباركة، ويختم بالتعليق والتوضيح.
لا يوجد في محتوى الكتاب بأكمله أي جانب مثير للاعتراض بحد ذاته؛ فهو يعرض العقائد العامة للمسلمين. ولكن هذا الكتاب يكشف بوضوح التناقض الصارخ بين قول حركة طالبان وفعلها، ويُعدّ كافياً لإثبات مخالفتهم لتعاليم الله ورسوله ﷺ استناداً إلى المعتقدات التي أقروا بها بأنفسهم.
وردت العقيدة رقم 82 في الكتاب على النحو التالي—وهي تمثل العقيدة الإسلامية الحقة—:
“إن جميع الأحكام الشرعية وتفاصيلها المنقولة عن رسول الله ﷺ بالطرق المعتبرة هي حق.”
واستُدل عليها بقول الله تعالى:
﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (الحشر: 7)
ومن الحديث، ما رواه أبو رافع رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
“لا أُلْفِيَنَّ أحدَكم مُتَّكِئاً على أَرِيكَتِهِ يأْتِيهِ الأَمْرُ من أَمْرِي مما أَمَرْتُ به أو نَهَيْتُ عنه فَيَقُولُ: لا نَدْرِي، ما وَجَدْنَا في كِتابِ اللهِ اتَّبَعْنَاهُ”.
تليها العقيدة رقم 83، حيث جاء فيها:
“الإيمان واحد، والمؤمنون متساوون في أصل إيمانهم، والمعيار في التفاضل والبروز بينهم هو تقوى الله، ومخالفة الهوى، واتباع أفضل الأعمال.”
واستُدل عليها بقول الله تعالى:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13)
في ضوء هذا الاقتباس المعروض من كتاب الملا هبت الله، ينص الله ورسوله ﷺ على مساواة جميع المسلمين، وهذا هو جوهر الإسلام ومصدر فخره. غير أن القانون الجنائي الذي أعده زعيم طالبان الملا هبت الله في فبراير 2025م وطُبق بأمره في مارس من العام نفسه، يُقسم البشر إلى أربع طبقات فيما يتعلق بتطبيق التعزيرات. أليست هذه مخالفة صريحة لأوامر الله ورسوله ﷺ؟
وفي الصفحة 129 من الكتاب نفسه، وتحت العقيدة رقم 88، كتب هبت الله ما يلي:
“الأصل في الخلافات والمسائل: عقيدتنا هي أنه لا يُرفع السيف ضد أحد من أمة محمد ﷺ إلا من وجب رفع السيف عليه شرعاً.”
(وقد أورد أربعة أحاديث كأدلة، وكلها أحاديث صحيحة).
الحديث: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال:
“أُمِرْتُ أن أُقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّداً رَسولُ اللَّهِ، ويُقِيمُوا الصَّلاةَ، ويُؤْتُوا الزَّكاةَ، فَإذا فَعَلُوا ذلكَ عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهُمْ وأَمْوالَهُمْ إلَّا بحَقِّ الإسْلامِ، وحِسابُهُمْ علَى اللَّهِ”.
الشرح: يُفهم من هذا الحديث أن لحرمة دم الإنسان وماله أهمية أساسية في الإسلام. فعندما يقبل الشخص الأحكام الظاهرة للإسلام، يُعامل وفقاً للأحكام الإسلامية، ويُكل حساب باطنه ونيته إلى الله تعالى.
وعن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم عن النبي ﷺ أنه قال:
“مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تَلْعَنُهُ حَتَّى يَدَعَهُ”.
مفهوم الحديث: يجب على المسلمين احترام دماء وأموال بعضهم البعض. وإن تخويف المسلم أو رفع السلاح بوجهه عمل مقيت ومحرم بشدة.
يثبت هذا الاقتباس أن الملا هبت الله نفسه يقر بهذا المعتقد الإسلامي الأساسي؛ وهو أن قتل المسلم الموحد أمرا عظيماً، بل إن مجرد تصويب السلاح نحوه يُعد جريمة تستوجب مقت الله ولعنة الملائكة. والسؤال المطروح هنا: مع وجود هذا المعتقد، لماذا تُقدم الرعاية والدعم لأعمال العنف والتفجيرات التي تقوم بها حركة “طالبان باكستان” (TTP) وغيرها من الجماعات الإرهابية داخل باكستان؟ أليست هذه الرعاية والدعم بغياً وعصياناً لله ورسوله ﷺ؟
لقد قتلت حركة “طالبان باكستان”، وجماعة “حافظ جول بهادر”، وتنظيم “القاعدة”، وسائر الجماعات الإرهابية آلاف المسلمين الأبرياء في باكستان، بمن فيهم العلماء؛ وهم ممن يشهدون أن لا إله إلا الله، ويطيعون النبي ﷺ، ويصلون إلى القبلة، ويأكلون الذبائح الإسلامية. أليس قتل هؤلاء المسلمين بغياً وصريح الخروج على أحكام الإسلام وأوامر الرسول ﷺ؟
أليس تقديم طالبان المأوى والدعم لأولئك البغاة الذين لا يلتزمون بأحكام الله ورسوله، ومعاونتهم في جرائمهم، يُعدّ في حد ذاته خروجاً من طالبان على الدين؟
إذا نظرنا إلى هذا القتل الجماعي للمسلمين على أيدي طالبان وحركة “طالبان باكستان” في ضوء عقيدة الملا هبت الله نفسه وفي ضوء الآية الكريمة التي يقول الله فيها:
﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: 32) (وقد ورد هذا الحكم أيضاً في سور: الإسراء، والأنعام، والفرقان).
فإن حركة “طالبان باكستان” وغيرها من الإرهابيين هم من البغاة العصاة وممن يسعون في الأرض فساداً. وهؤلاء حسم الله الحكم فيهم بقوله الواضح:
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (البقرة: 193)
وفي الكتاب ذاته للملا هبت الله، كُتبت العقيدة رقم 89 كما يلي:
“لا نخرج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ونصحاً لهم، ونرى طاعتهم فريضة ما لم يأمروا بمعصية الله، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة.”
واستُدل عليها بقول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ (النساء: 59)
ومن الحديث، ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: “من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني”.
وكذلك كُتب في العقيدة رقم 90:
“نتبع السنة والجماعة، ونَجْتَنِبُ الشذوذ والخلاف والفرقة.”
واستُدل عليها بقول الله تعالى:
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: 21)
ومن الحديث، ما رواه العرباض بن سارية رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ وصانا بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر علينا عبد حبشي، وقال: “فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة”.
في ضوء هذا الاقتباس، يطرح السؤال نفسه: عندما بين الله ورسوله ﷺ بياناً قاطعاً بعدم الخروج على ولاة أمور المسلمين حتى وإن حافوا أو ظلموا، ألا تُعتبر العمليات الإرهابية التي تقوم بها حركة “طالبان باكستان” فساداً في الأرض في ضوء هذه الأحكام الصريحة وتفسير الملا هبت الله نفسه لها؟ وإذا كانت كذلك—وهي كذلك يقيناً—فلماذا ترعى طالبان هذا العمل المخالف للشريعة؟
تناقض قول طالبان وفعلها: خروج صريح على أحكام الله ورسوله ﷺ
تُعد العقائد المذكورة في كتاب الملا هبت الله صورة حقيقية للإسلام، غير أن سلوك الحركة العملي يُعتبر خروجاً صريحاً عن العقيدة التي أقروا بها. إن هذه المسألة ليست مجرد مصلحة سياسية أو ضعف إداري، بل هي مسألة تمس مصداقية أدعيتهم الدينية في جوهرها. لقد اعترف الملا هبت الله في كتابه بأن دم المسلم وماله محرمان، وأن اتباع أحكام الرسول ﷺ واجب، وأن رفع السلاح بوجه المسلم أمر مذموم ومحرم شديد التحريم. وفي آية سورة المائدة (32)، جُعل قتل نفس بغير حق كقتل الناس جميعاً. وبعد هذا الأصل الواضح، يبرز السؤال: ما هو المسوغ الشرعي لمقتل آلاف المسلمين في باكستان جراء عمليات “طالبان باكستان” والجماعات المسلحة الأخرى؟ ومن بين هؤلاء القتلى علماء، ومصلون، ومدنيون، ورجال أمن. فما هو الذنب الذي ارتكبوه حتى يُقتلوا؟ ألم تكن شهادتهم، وصلاتهم، وإسلامهم كافية لحقن دماءهم وحمايتها؟
إذا كانت قيادة طالبان توفر المأوى أو التسهيلات أو الدعم لحركة “طالبان باكستان” أو للجماعات المسلحة الأخرى، فإن هذا الفعل يتصادم مباشرة مع عقائدها المعلنة. وفي هذه الحالة، لا يمكن إبراء ذمة طالبان بمجرد القول إنها تبين التعاليم الإسلامية في كتبها؛ فالقضية ليست في نصوص الكتب، بل في التطبيق العملي، وهم في ضوء عقائدهم المسجلة يعتبرون مخالفين لأحكام الله.
لقد علم الملا هبت الله في العقيدة رقم 89 وجوب الامتناع عن الخروج على ولاة الأمور. فإذا كانت طالبان ترى هذا الأصل صحيحاً، فما هو موقفها من حركة “طالبان باكستان” التي تشن عمليات مسلحة ضد الحكومة الباكستانية؟ إن الاختلاف مع سياسة أي حكومة، أو نقدها، أو معارضتها سياسياً لا يمنح مبرراً شرعياً لقتل المدنيين الأبرياء ورجال الأمن. وإذا كانت طالبان تقر أصل الطاعة والانضباط لنفسها، فعليها أن تقدم التبرير الشرعي لاعتماد معيار مناقض تماماً عندما يتعلق الأمر بالآخرين.





